عين القضاة

53

شرح كلمات بابا طاهر العريان

وقال : ( مجاورة الرّحمن في داره بغية العالمين ، وحبس العارفين ) . أقول : المراد بالدار الجنّة ، والبغية المطلوب ؛ أي لا يرضى العارف بالبغية والمجاورة ، بل بالشهود والمحاورة ، والعالم يطلب ما هو منه يهرب ، من المجاورة في الجنّة بغير شهود ، والمراد بالعالم هنا المؤمن العامل بعلمه . وقال : ( إنّ الدارين حبس الجبّار ) . أقول : أراد بالدارين الدنيا والآخرة ، والجبّار اسم من أسماء اللّه عزّ وجلّ ، معناه الذي يجبر الأشياء على وفق إرادته ، وإنّما جعل الدارين حبسه ؛ لأنّ كلّ من جبره على الشغل بالدنيا والآخرة محجوب عن مشاهدة حبسه في حبس الحجاب ، فالدنيا حبس بالنسبة إلى المؤمن والعارف ، والآخرة حبس بالنسبة إلى العارف دون المؤمن ، فإنّها مطلوبه ؛ كما أن « أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » « 1 » . وقال : ( جعل اللّه عزّ وجلّ الدّنيا على إشارة البعد في حقيقة القرب ، وجعل الآخرة على إشارة القرب في حقيقة البعد ) . أقول : أي ، جعل اللّه سبحانه الدنيا على صفتين متناقضتين ، وهما البعد والقرب ، وكذلك الآخرة ، إلّا أنّ الدنيا جعلها على إشارة البعد في حقيقة القرب . والمعنى : أنّ اللّه سبحانه جعل حقيقة الدنيا قريبة بالصورة ، ولفظ الدنيا موضوع لها ، بعيدة بالمعنى ؛ لأنّها ماضية والماضي بعيد ، وجعل حقيقة الآخرة بعيدة بالصورة ، كما ينبئ لفظها عن ذلك ، قريبة بالمعنى ؛ لأنّها آتية وكلّ ما هو آت قريب ؛ لأنّه معدوم يشار إليه بأنّه يوجد البتّة ، والماضي معدوم مشار إليه بأنّه لا يوجد أبدا . قال : ( الدّنيا قنطرة الآخرة ) . أقول : معناه أنّ الدنيا دار ممرّ إلى دار الآخرة ، لا دار مقرّ .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .